من هم ملوك الأرض الأربعة ؟

 جاء في الأثر أن أربعة من الملوك إستطاعوا أن يحكموا رقعةً واسعةً من العالم ، وكان لهم نفوذ كبير ، وكان لهم تأثير عظيم في المشهد السياسي في أزمانهم ، وسمي هؤلاء الملوك بملوك الأرض ، ومن هؤلاء الملوك ملكان مسلمان هما : نبي الله سليمان بن داوود عليهما السلام ، و ذو القرنين ، أما الآخران فهم كافران وهم بختنصر ، والنمرود بن كنعان .


ذكر ذلك إبن الطبري في تفسيره عن إبن عباس ، كما ذكره إبن تيمية عن إبن مجاهد مع إضافة أنه سيكون هناك ملك خامس يملك الأرض ، وهو المهدي عليه السلام الذي يخرج في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً.  

حكام الأرض الأربعة


( لا شك في أن أعظمهم حكماً علي الإطلاق كان "سليمان عليه السلام" )  


»سليمان عليه السلام :


لم تأت الأرض بملك مثل سيدنا عليه السلام ، ولن تأتي ، حيث إن الله تعالي قد سخر لسليمان كل شئ ، فقد سخر له الجن والإنس وعلمه الله لغة الحيوانات وأخضع له الوحوش ، وجعل الرياح تحت أمره كل هذا من ملك سليمان عليه السلام . 


قال تعالي {وورث سليمان داوود} ، وقال صل الله عليه وسلم {نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة} .


نفهم من هذا أن سليمان لم يرث الملك من أبيه ، إنما ورث النبوة ، أي أصبح نبياً بعده وسأل سليمان عليه السلام ربه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فوهبه الله ذلك . 


فقد كان يكلم الطير ويفهم لغتهم ، ولم يكن داوود سوي فاهماً للغة الطير ، لكن لم يكن يستطيع الكلام معهم ، أما سليمان فقد زاده الله علي أبيه بقدرته علي الكلام مع الطيور ، وليس هذا فقط ، بل كان قادراً علي فهم لغة النمل وسماع كلامهم بفضل من الله عليه . 


ولا يتوقف ملك سليمان عند هذا الحد بل إستمر إلي الرياح ، حيث كان سليمان يتحكم في الريح بإذن الله ، ويستطيع أن يركبها مع جنوده . 


وأيضاً سخر الله لسليمان الجن والشياطين فقد أعطاه القدرة علي تشغيل الجن وتعذيبهم إن عصوا أمره ، بل وأعطاه الله القدرة علي ربطهم بالسلاسل ، وكانت الشياطين تبني له القصور والمحاريب ، وتستخرج له اللؤلؤ من قاع البحر ، ومن يعصي أمره كان يربطه ويقيده في السلاسل ، كل هذا جزء صغير من ملك سليمان عليه السلام. 


»موت سليمان - عليه السلام :


كان الناس يتحدثون عن أن الجن تعلم الغيب ، فأراد الله بموت نبيه سليمان أن يبين لهم عكس ذلك ، ففي يوم من الأيام سخر سليمان الجن تسخيراً شديداً ، وجعلهم يعملون أعمالاً شاقة ، وبدأ يراقبهم وهو متكئ علي عصاه وفاتح عينيه ، وفي تلك اللحظة قبض سليمان ومات ، وبقي الجن يعملون مدة ، ذكر في الروايات أنها سنة كاملة ، ولم يعلموا أنه ميت ، فبدأو يشكون في موته ، لأنه لم يتحرك أبداً ، لكنهم خائفون من محاولة التأكد حتي أتت دابة الأرض ، وهي النملة آكلة الخشب فأكلت عصا سليمان ، فسقط سليمان عليه السلام فعلم الجن أنه مات ، وعلم الناس أن الجن لا يعلمون الغيب . 


هذه قصة أعظم من حكم الأرض فأي فخر أن تكون حاكم الأرض وتحكمها بالإسلام وأنت نبي ، فسبحان الله الذي جمع هذا كله لرجل واحد. 


»ذو القرنين :


إسم عظيم من حكام الأرض وسمي بهذا الإسم لإعجاب الناس به وتحية لهمته العالية وشهامته وشجاعته ، ولرؤيا رآها في منامه ، سيأتي ذكرها لاحقاً . 


نشأ ذو القرنين في أمة مستعبدة ضعيفة سيطرت عليها دولة مجاورة وأجبرتها علي دفع الجزية ، فلما رأي ذو القرنين حال أمته بدأ يدعوهم إلي الإهتمام بعزتهم وكرامتهم والتوحد حوله وتأييده في التخلص من هذا الظلم ، فرده قومه ومنعوه من الكلام بهذا حتي لا يسمعه الملك فيعاقبهم ، ولكن ذو القرنين لم ييأس وأصر أن يفعل شيئاً لقومه .  


وقد كان من صفاته العقيدة الصادقة والإيمان الراسخ والحكمة ، وكان قوي البدن مفتول الذراعين ، فبدأ يدعو قومه إلي الإيمان بالله وظل يدعوهم ، لكنه لم يجد إلا السخرية منه ونفروا منه فأقبل ذو القرنين إلي الشباب ، ودعاهم فاستجابوا له وأحبوه وآمنوا بدعوته وزادت شهرته ، حتي أصبح الذين آمنوا بدعوته أكبر ممن كفر بها .  


• رؤيا ذو القرنين :


ورأي ذو القرنين في منامه رؤيا عجيبة، وهي (أنه صعد إلي الشمس وإقتربت منه حتي أمسك قرنيها بيده ). فقص هذه الرؤيا علي أصحابه الذين فسروها قائلين له بأنه سوف يصبح ملكاً ذا جيش كبير وسيملك الدنيا من المشرق إلي المغرب ، فبدأ الجهلة من قوم ذو القرنين يستهزئون به ، وفسرول الرؤية علي أن الملك الظالم سوف يضرب ذو القرنين علي قرني رأسه ، أو أنه سيقتله ويعلقه من قرني شعره . 


وبسبب هذه الرؤيا سمي ذو القرنين بهذا الإسم ، وبعد إزدياد عدد أنصاري ذو القرنين أصبح ملكاً علي البلاد ، وعاهدوه علي السمع والطاعة ومحاربة عدوهم حتي يرجع لهم حقهم ، وكانت بلاده تدفع للملك الظالم ضريبة ، وهي عبارة عن عدة بيضات من الذهب الخالص ، ولما جاء وقت الدفع فوجئ الملك الظالم بأن ذو القرنين لم يدفع شيئاً ، ولم يكتف بعدم الدفع فحسب ، بل طرد الرجال الذين يأخذون الضريبة ، وأرسل للملك الظالم رسالة يستهزئ فيها منه قائلاً :  (إني قد ذبحت الدجاجة التي تبيض الذهب وأكلت لحمها فليس لك شئ عندي).  


فعرف الملك عن ذو القرنين بأنه شاب صغير السن فأرسل له ساخراً به (أرسلت لك كرة وسوطاً وكمية من السمسم فالكرة والسوط لتلعب بهما فإنك صغير تحب اللعب ، وإبتعد عن الغرور فلو كان جنودك بعدد حبات السمسم لأتيت بك) ، فرد عليه ذو القرنين ( سأنتصر عليك ولو كان جنودك بعدد حبات السمن ) . 


وذهب ذو القرنين بأنصاره إلي الملك الظالم فألقي الله الرعب في قلوب سكان بلدة الملك الظالم ، فذهبوا إلي ملكهم وطلبوا منه أن يتصالح مع ذو القرنين ، فغضب الملك من هذا الكلام ، وخرج بجيشه لملاقاة ذو القرنين الذي تمكن من هزيمته وقتل الملك الظالم ، وأصبح هو الحاكم علي البلد المجاورة فنشر فيها العدل والإستقرار والأمن والأمان وأفرح أهلها ، وبعد هذا النصر عزم ذو القرنين علي إعلاء كلمة الحق في كل مكان من الأرض ، وقد مكن الله له في الأرض ، وأعطاه الإمكانات الهائلة فسار إلي المغرب حتي وجد نفسه في سهول فسيحة ليس لها نهاية ذات أرض طينية سوداء ، فرأي منظر غروب الشمس ، حتي خيل له أنها تغوص في تلك الأرض الطينية ، فوجد عند هذا المكان قوماً كافرين فإنتصر عليهم ، ولكنه بدلاً من قتلهم أو أسرهم نصحهم وأصلح شأنهم وبني في تلك البلاد المساجد وآمن أهل هذه البلدة .   


• ذو القرنين يحاصر يأجوج ومأجوج :


وإتجه ذو القرنين إلي المشرق وكان كلما مر علي قوم دعاهم للإيمان بالله فإن آمنوا أكرمهم وإن كفروا عذبهم بشدة ، وسار ذو القرنين حتي وصل إلي بلاد نهايتها المحيط فأصبح يمشي في سهول الصين فوجد فيها أودية خصبة ومناطق واسعة وهضاب وعرة وظل يمشي حتي وصل إلي فتحة واسعة وعريضة بين جبلين عاليين ووجد وراء الجبلين أمة صالحة يعبدون الله ، ولكنهم لا يعرفون لغة أي من البشر ، لأنهم منعزلون خلف الجبل وسبب عزلهم خلف الجبل أنه من هذه الفتحة بين الجبلين كانت تأتي قبيلتان متوحشتان هما يأجوج ومأجوج وكانوا يأكلون كل شئ وكانوا يعتدون علي الأمة الصالحة فطلبوا المساعدة من ذو القرنين بعد أن رأوا جيشه القوي وصلاحه . 


فذهبوا إلي ذو القرنين وأعلنوا إسلامهم وذكروا له خطورة يأجوج ومأجوج ، وأنهم يتكاثرون بسرعة وسيفسدون الأرض ، وعرضوا علي ذو القرنين الأجر فرفض ذلك وطلب منهم أن يعينوه علي بناء السد ، وأمر ذو القرنين القوم أن يجمعوا الحديد ، وأمر المهندسين فقاسوا المسافة بين الجبلين وإرتفاعهما ، وأمر العمال فحفروا أساساً في الأرض ، ووضع قطعاً من الحديد بين الجبلين ، وجعل بين كل طبقتين من الحديد طبقة من الفحم ، ولا يزال يرفع الحديد العريض حتي سد بين الجبلين ، وأشعلوا النار في الفحم حتي تحولت قطع الحديد إلي نار سائلة ، وصب النحاس علي الحديد المصهور فملا الشقوق وتحول السد إلي سد عظيم عال لا يمكن النفاذ منه حتي من قبيلتي يأجوج ومأجوج ، ولما رأي ذو القرنين ما صنعه حمد الله وشكره وقال : هذا رحمة من ربي . 


»النمرود :


النمرود ملك جبار متكبر كافر بالنعمة مدعي الربوبية والعياذ بالله كان يحكم العالم من مملكته في بابل في العراق ، وهو الذي جادل إبراهيم - خليل الله - في ربه وقد كان سمع عن أن إبراهيم يدعو إلي الله عز وجل في بابل فأمر بإستدعائه ، ودار بينهم الحوار التالي : 

- النمرود : ( من ربك ؟) 

- إبراهيم : ( ربي هو الذي خلق كل شئ وهو الذي يحي ويميت ) 

- النمرود : (أنا أحيي وأميت) 

وأمر النمرود برجلين حكم عليهما بالموت ، فأطلق سراح الأول وقتل الثاني . 

فغير إبراهيم عليه السلام حجته وذلك من فطنته 

فقال إبراهيم : ( فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتي بها من المغرب ). 


فأحس النمرود بالعجز وإندهش من ذلك وكان موت النمرود دليلاً علي أنه لا يملك حولاً ولا قوة إلا بإذن الله ، فأرسل الله له جندياً صغيراً من جنوده ، هو الذباب فكانت الذبابة تزعجه حتي دخلت إلي رأسه ، فكانت لا تهدأ حركتها في رأسه حتي ضربوا هذا الملك الكافر بالنعال علي وجهه ، وظل علي هذا الحال حتي مات ذليلاً من كثرة الضرب علي رأسه .   

ملوك الأرض

»بختنصر :


هو أيضاً كسابقه كان ملكاً علي بلاد بابل في العراق ، ولكن قبل أن يصبح ملكاً كان قائد جيش جرار ، قوامه مائة ألف مقاتل ، وكان معروفاً للعالم بشراسته وقوته ، وذهب بجيشه للشام ودمشق فخافه الدمشقيون ، وطلبوا الصلح ، وقدموا للبختنصر أموالا عظيمة وجواهر كثيرة وكنوزاً ثمينة فوافق وترك دمشق وذهب إلي بيت المقدس . 


وكان يحكمهم ملك من نسل داوود عليه السلام - فخرج إلي البختنصر وقدم له الطاعة ، وطلب الصلح منه ، وأعطاه مثل ما أعطاه الدمشقيون ، بل وأخذ منهم الملك الكافر بعض أثرياء بني إسرائيل وعاد إلي بلاده وبعد أن إنتهي فزع بني إسرائيل الذين أغلقوا أبوابهم عند قدوم البختنصر ، وقاموا إلي ملكهم وإعترضوا علي هذا الصلح ، وقتلوا ملكهم الذي هو من آل داوود عليه السلام ونقضوا عهدهم مع بختنصر فعاد بختنصر إليهم ، فتحصنوا ضدهم ، ولكن بختنصر تمكن من إقتحام المدينة ، وقتل وخرب فيها الكثير ، وذهب إلي القري المجاورة وخربها وقتل أهلها وبقي بختنصر في بلادهم ، وأحرق ما وقع تحت يديه من التوراة وأبقي النساء ، والأطفال ليكونوا عبيداً لأهل بابل ، حتي بلغ عدد الأطفال تسعين ألف طفل ، كان من بين الأطفال نبي الله عزيز عليه السلام ، ولما وصل البختنصر بابل وزع الأموال والأولاد علي أهل بابل حتي إمتلأت بيوتهم بالخير .


»وجاء في تفسير الطبري :


حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج عن ابن جريح قال : ثني يعلي بن مسلم بن سعيد بن جبير ، أنه سمعه يقول : كان رجل من بني إسرائيل يقرأ حتي إذا بلغ (بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأسٍ شديدٍ) بكي وفاضت عيناه ، وطبق المصحف ، فقال ذلك ما شاء الله من الزمان ، ثم قال : أي رب أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل علي يديه ، فأري في المنام مسكيناً ببابل ، يقال له بختنصر.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال