قصة قصيرة.. مع أشباه البشر


لف الصقيع المدينة كلها، وأبى إلا أن يلف هذا البيت، الذي شهد مشاحنة حامية بين الابن المراهق ووالديه.. خرج غاضباً لا يعرف إلى أين يتجه، لكنه رفض الرجوع قبل أن تتحقق مطالبه.. مشى ومشى حتى وجد نفسه في مكان لم يلج إليه من قبل.. اقترب أكثر بين حيطان المنازل.. كانت هناك رقعة رأى فيها ما بدا له مجموعة من الناس يحتمون من البرد، ويشعلون ناراً بالكاد تُدفئ أوصالهم.. اقترب أكثر فزكمت أنفه روائح القمامة وروث الحيوانات الضالة.. في الظلام لمح بعضهم، وقد استندوا إلى الحيطان، بينما آخرون يأكلون شيئاً لم يعرف ما هو.. عندما دخل بينهم ظهر إليه شخص ضخم الجثة مهترئ الثياب طليق الذقن.. صاح بالفتى: «أمعك نقود؟».. «ليس معي سوى بعضة قروش»، صرخ الرجل ثانية: «إعطني إياها»، وجل الفتى فأسرع في إخراج ما في جيبه، لكن الرجل لم تعجبه كمية النقود. قال: «إنها لا تكفي حتى لشراء علبة مياه نظيفة».. «من أنتم؟ وماذا تفعلون وحدكم هنا في العراء؟».. ساد جو من الصمت قبل أن يسمع أحدهم يقول: «أشواك البيوت يا بني!».. «ما معنى هذا؟».. صرخ قائدهم: «أنت أيها المتثيقف أغلق فمك.. ألا ترى إنه صبي صغير تكسو البراءة ملامحه؟».. اقترب آخر.. «يا فتى.. نحن من الفئة التي لفضها المجتمع، لأننا خسرنا كل ممتلكاتنا، ولا أحد يرغب في المهدومين»، ما زال استغراب الفتى يزداد.. نظر إليهم ملياً، فلمح أحدهم يلحس علب الأناناس الفارغة عسى أن تسد جوعه.. رأى آخر تحوم حوله الفئران، وهو يحاول الإمساك بأحدها.. «ماذا تريد أن تفعل به؟ هل تريد أن تأكله؟».. يا حبيبي.. في من في حالتنا يصبح غير المستساغ شهياً.. ويضحك.. «وهل تنوون العيش هكذا طوال حياتكم؟».. «ولن نجد أحداً يوارينا التراب».. «وأنت؟ ما جاء بك هنا؟ ألا تدري أنك في خطر؟»، رثى الولد لحالهم فقال لهم: «تعالوا واسكنوا معنا في منزلنا.. أبي طيب القلب ولن يمانع».. ضحك الجميع.. «أظن أن طيبته ستتخلى عنه عندما يعرف ماضينا».. «اذهب إلى بيتك فالصباح على وشك الظهور»، وقف الفتى منتصباً.. فصرخ الرجل.. «اذهب حالاً!»، ركض الفتى عائداً إلى منزله.. دخل إلى البيت، فوجد أباه وأمه في غاية القلق عليه.. «أين كنت؟ لقد قلقنا عليك كثيراً.. لا تقلق.. قررنا زيادة مصروفك».
أحدث أقدم

نموذج الاتصال