سوزانا أشهر عملية جاسـ ـوسية ليهود مصر.. حضرت زفافها جـ ـولدا مائير


عملية «سوزانا»، تعد أول عملية للموساد فى مصر عقب قيام ثورة يوليو 1952، أطلق عليها أيضا «فضيحة لافون»، فى إشارة إلى بنحاس لافون، وزير الدفاع الإسرائيلى الأسبق، غير أن الاسم الحقيقى للعملية هو «سوزانا»، كما أوضحه الكاتب عادل حمودة فى كتابه «عملية سوزانا».

شهدت الفترة عقب ثورة 23 يوليو 1952، أحداثًا مثيرة، فقبل اندلاع تلك الثورة، تواصل الضباط الأحرار بالتواصل مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تعهدت لهم بضمان عدم تدخّل القوات البريطانية المرابطة في قناة السويس، في حالة نجاح حركتهم.

ونجحت حركة الضباط الأحرار، ولم تتدخل القوات البريطانية، وهنا بدأت العلاقات المصرية الأمريكية الوليدة تتوهج، ما أثار حفيظة عدد من القوى الأخرى التي بدأت علاقتها بأمريكا تتقلص، مثل إسرائيل التي شعرت بخطر. 

حيث كان الاعتقاد السائد لدى إسرائيل فى ذلك الوقت هو أن الدول العربية ستعمل على الانتقام لكرامتها المهدرة فى حرب 1948، وستستعد لحرب جديدة ضد إسرائيل، ولذلك فمن الأفضل توجيه ضربة وقائية تجاه مصر قبل أن تتسلح بالعدة والعتاد، وبناء على ذلك وضعت المخابرات العسكرية فى الجيش الإسرائيلى خطة للتخريب والتجسس فى مصر، وكان الأمل معقودا على أن تؤدى هذه الأعمال إلى توتر العلاقات المصرية الأمريكية، وعدول بريطانيا عن إجلاء قواتها من السويس.

وبدأت إسرائيل فى تنفيذ هذه الخطة وأوكلت مسؤولية تنفيذها للضابط «موردخاى بن تسور»، وهو صاحب فكرة إقامة شبكات تجسس فى مصر، حيث أوعز إلى زميله الرائد «إبراهام دار» فى سنة 1951 دخول مصر بجواز سفر بريطانى مزور، يحمل اسم «جون دار لينج»، وفى اليوم التالى قدم نفسه إلى دكتور سعدى اليهودى الصهيونى الذى كان يرأس منظمة سرية صغيرة هدفها التجسس وتهجير اليهود المصريين إلى إسرائيل، شرح له مهمته وهى إقامة شبكة سرية تقوم بعمليات خاصة عن المواقع الاستراتيجية خلف خطوط العدو.

قام «دار لينج» بتقسيمهم إلى خليتين واحدة فى القاهرة والأخرى فى الإسكندرية، كان مدير الخلية الأولى بالقاهرة هو موسى مرزوق الطبيب بالمستشفى الإسرائيلى بالقاهرة، ومدير الخلية الثانية بالإسكندرية كان مدرساً اسمه صموئيل عازار، وتولت فتاة يهودية جميلة اسمها «فيكتورين نينو» اتخذت اسم «مارسيل» حلقة الاتصال بين الخليتين. 

وكان هؤلاء الشبان قد تدربوا على استخدام المتفجرات والشفرات والأحبار السرية وتعلموا صنع القنابل واستخدام جهاز اللاسلكى المحمول والتصوير الفوتوغرافى، حيث تولت تدريبهم ضابطة شابة اسمها «راشيل» وعلمتهم كيفية صنع القنابل الحارقة من المواد الكيميائية التى يسهل الحصول عليها من أى مخزن أدوية، كانت كلمه السر لبدء العملية هى إذاعة راديو إسرائيل، التى كانت تنقل الرسائل المشفرة كل يوم عبر الأثير للمجموعة اليهودية فى مصر، كانت طريقة «الكيك الإنجليزى» هى الإشارة لبدء العملية، التى كانت بداية لسلسلة من التفجيرات شهدتها مصر منذ يوليو 1954، حيث انفجرت ثلاثة صناديق فى مبنى البريد الرئيسى فى الإسكندرية، وعثرت السلطات المصرية على علبة أسطوانية الشكل لنوع من المنظفات الصناعية كان شائعاً فى هذا الوقت اسمه «فيم» وجراب نظارة يحمل اسم محل شهير فى الإسكندرية يملكه أجنبى يدعى «مارون أياك»، بعد ذلك انفجرت قنبلة فى المركز الثقافى الأمريكى، الذى يعرف بوكالة الاستعلامات الأمريكية فى الإسكندرية، وعثر فى بقايا الحريق على جراب نظارة مماثل للانفجار الأول، وفى اليوم نفسه انفجرت قنبلة أخرى فى المركز الثقافى الأمريكى بالقاهرة وعثر على جرابين من نفس النوع يحتويان على بقايا مواد كيميائية، وكان من المفترض وضع متفجرات فى محطة القطارات ومسرح ريفولى بالقاهرة ودارى السينما مترو وريو فى الإسكندرية.

وحسبما قال نبيل فاروق، في أحد مقالاته التي نشره على موقعه الرسمي، اعتمدت عملية "سوزانا" على تخريب مجموعة من الشباب اليهودى المدرَّب، بعض المنشآت الأمريكية والبريطانية في مصر في ذلك الحين، وشملت الخطة الاعتداء على دور السينما، ومؤسسات الدولة العامة، وبناء على هذه الخطة أُنشئ ما عرف بالوحدة "131" في مصر، والتي ضمت مجموعة من شباب اليهود في الإسكندرية، وكان المقدَّم "مودخاي بن تسور" مسؤولا عن إنشاء ومتابعة الوحدة (131)، التى اختار لقيادتها الرائد إبراهام دار، الذي سافر إلى مصر، ودخلها بجواز سفر زائف، كرجل أعمال بريطاني، تحت اسم "جون دارلنج"، وتلقت الوحدة أوَّل أوامرها 2 يوليو 1954، بتفجير 3 صناديق بريد، في مبنى البريد الرئيسي بالإسكندرية.

صورة من القـ ـنبلة في السينما 

وفي 23 يوليو من العام نفسه، كانت الخطة تقضي بوضع متفجرات في محطات القطارات، ومسرح "ريفولي" في القاهرة، وداري سينما "مترو" و"ريو"، إلا أن إحدى العبوّات اشتعلت، في جيب أحد منفذي العملية، قبل موعدها لخلل غير مقصود في تصنيعها وجمعها، وأنقذ من قِبل المارة، وبتفتيش الشاب الذي يُدعى "فيليب ناتاسون"، غير المعروف الجنسية، ويبلغ من العمر 21 عاما، ومع التحقيقات المكثفة انهار الشاب، واعترف بأنه عضو في منظمة مسؤولة عن الحرائق، التي شهدتها البلاد مؤخّرا، ما أسهم في استصدار قرار بسرعة تفتيش مسكنه، وهناك عثر على مصنع صغير للمفـ ـرقعات. 

فيليب ناتاسون

وبناء على اعترافاته، سقطت أفراد الشبكة تباعًا، والذين ادعوا أن هدفهم الرئيسي نابع من حب مصر، وأثبتت أجهزة المخابرات المصرية أنهما لا يمتان للوطنية بصلة، واحتجز عدد كبير من اليهود للتحقيق معهم، كان من بينهم "جاك بيتون".

وفي مصر ضبط عدد من المتهمين، مثل "صمويل باخور"، وهو مهندس يهودي، في الرابعة والعشرين من عمره، أسس خلية الوحدة في الإسكندرية، وتولَّى زعامتها مؤقتا، قبل أن يحتل فيكتور ليفي منصب الزعامة، لتفوقه خبرة وتدريبا، وعبر اعترافات "صمويل"، ألقي القبض على "ماير موحاس"، اليهودي البولندي الأصل، الذي يبلغ من العمر 22 عاما، ويعمل مندوبا للمبيعات، الذي أرشد في اعترافاته إلى "جون دارلنج" قائد الشبكة ومؤسس فرعيها في القاهرة، والإسكندرية، وأحد أخطر رجال المخابرات الإسرائيلية وأكثرهم مهارة.

وأرشد عن موسى ليتو، الجرَّاح ومسؤول فرع القاهرة، الذي تم القبض عليه، ليرشد بدوره عن باقي الجواسيس.؟ 

دفع سقوط الشبكة في مصر وما صحب ذلك من دوي إعلامي عالمي، موشى ديان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في ذلك الحين، لإصدار قرار بعزل "موردخاي بن تسور"، من قيادة الوحدة 131، وتعيين يوسى هارئيل بدلا منه، ومن الواضح أن اختياره لم يكن موفقا، إذ إن يوسى هارئيل اتخذ قرارا بالغ الغرابة والعجب، في تاريخ المخابرات كله، إذ خشى تحمَّل المسؤولية، فأصدر قراره بإيقاف جميع عمليات التجسس، في كل الدول العربية، واستدعاء جميع العملاء فيها، حتى لا يواجه مصيرًا مشابهًا لمصير سلفه. 

العملية التي تسببت بشكل مباشر في إنشاء جهاز المخابرات العامة المصري، قبض فيها على 12 شخصًا، وأطلق سراح من ثبتت براءته. 

في 11 ديسمبر 1954 تم القبض على كل من الدكتور موشيه مرزوق، طبيب بالمستشفى اليهودي في القاهرة، وصامويل عزار بالإعـ ـدام شنـ ـقًا، ونفذ الحكم في 31 يناير 1955، أما فيكتور ليفي فيليب ناتاسون فحصلا على حكم بالسـ ـجن مدى الحياة،

فيليب ناتاسون 

 في المقابل حكم على مارسيل نينيو وروبيرت داسا بالسجن 15 عامًا،

مارسيل نينيو

 وحصل كل من جوزيف زعفران ومائير مايوحاس على حكم بالسجن 7 سنوات، أما ماكس بينيت، الضابط الإسرائيلي، فانتحر في زنزانته، كما أطلق سراح كل من سيزار كوهين وداسج نعيم.

ماكس بينيت

وتنوعت باقي الأحكام بين الأشغال الشاقة المؤبدة والأشغال الشاقة لـ15 عاما والأشغال الشاقة لـ7 سنوات، وأصابت صدور أحكام الإعدام والحبس الشارع الإسرائيلي آن ذاك بحالة من الغضب والغليان، وبذلت إسرائيل جهودًا مضنية، لإقناع مصر بالعدول عن الأحكام، لصغر سن المتهمين، وتدخل الرئيس الأمريكي - حينذاك - أيزنهاور، وأرسل رسالة شخصية إلى جمال عبدالناصر، يناشده الإفراج عن المتهمين لدوافع إنسانية، وكذلك فعل عدد من كبار المسؤولين الفرنسيين، إلا أن الرئيس جمال عبدالناصر رفض كل هذا، وأصر على المضي في تنفيذ الأحكام، باعتبار أن مصلحة مصر تفوق كل اعتبار، وبالفعل، وفى 31 يناير 1955، تم تنفيذ حكم الإعدام ونكست اسرائيل أعلامها، ووقف أعضاء الكنيست حدادا، وخرجت كل الصحف الإسرائيلية بمانشيتات سوداء .

الفضيحة لم تنته بعد، فقد تم عقد صفقة تبادل أسرى، عقب نكسة يونيو 1967، وتم الإفراج عنهم في بدايات عام 1968 ليعودوا إلى إسرائيل، وصدر قرار بتعيينهم في الجيش الإسرائيلي، كوسيلة لمنعهم من ذكر تفاصيل القضية، إلا أن أحد الأسرى ظهر على شاشة التليفزيون الإسرائيلي، بعد 20 عاما من العملية، في يوليو 1974، ليهاجموا الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لأنها لم تبذل الجهد الكافي لإطلاق سراحهم قبل هذا، وأنه لولا عملية تبادل الأسرى، لما عادوا إلى إسرائيل.

وحسب «وكالة التلغراف اليهودية» في تقرير لها نشرته في نوفمبر 1971، فقد حصلت إسرائيل على بقايا رفات ماكس بينيت عام 1964 لتدفن في مقابر الجيش الصهيوني، أما البقية فماذا كان مصيرهم، هذا ما كشفه التقرير نفسه، الذي تناول ما وصل إليه كل منهم بعد 15 عامًا حينها على الفضيحة.

ورغم تأكيد الوكالة اليهودية أن أحدًا منهم لم يهرب من السجن، إلا أن كيفية وصول 6 من المحكوم عليهم إلى إسرائيل كانت معلومات سرية حينها أوضحت أن المسؤولين يتحفظون في الإفصاح عنها.

وبعد 15 عامًا من الفضيحة كانت مارسيل نينيو تدرس في جامعة تل أبيب وتستعد للزواج، وهو الزفاف الذي حضره موشيه ديان، وزير الدفاع، وجولدا مائير، رئيسة الوزراء آنذاك.

مارسيل نينيو

أما «ناتانسون» فأصبح مصورًا صحفيًا وتزوج وأنجب ولدًا، كذلك أنجب «ليفي» طفلًا وكان يستعد لاستقبال طفله الثاني وكان حينها قد حصل على ماجستير في الزراعة وأصبح محاضرًا بالجامعة العبرية.

وليس ببعيد عن مجال الدراسة الأكاديمية كان «داسا» أيضًا، فكان يتحضر وقتها للحصول على ماجستير في الدراسات الشرقية، كما أصبح أبًا لطفلين، وأصبح «زعفران» مهندسًا في حيفا وأبا لطفلين كذلك. أما «مايوحاس» فقد أصبح تاجرًا.

وبذلك بقيت فقط رفات كل من الجاسوسين موشيه مرزوق وصامويل عازر في مصر، إلا أنها كانت محل تبادل بين مصر وإسرائيل بعد قرابة 23 عامًا على إعدامهما وعقب حرب أكتوبر 1973 بحوالي 4 سنوات، وكان الاتفاق، حسب الوكالة اليهودية، أن يطلق سراح 50 مصريًا من السجون الإسرائيلية في مقابل رفات الجاسوسين.

وكان في استقبال النعشين اللذين حملا رفاتهما إلى قلب صحراء سيناء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنفسه، إسحاق رابين، ووزير خارجيته يجال عالون، ووزير الدفاع شيمون بيريز.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال