لماذا أهمل الباحثين استكشاف المحيطات والبحار القريبة وذهبوا بإتجاه الفضاء البعيد؟

 لماذا أهمل الباحثون استكشاف المحيطات القريبة وذهبوا باتجاه الفضاء؟


علي الرغم من المساحة الشاسعة التي نمثلها نسبة المسطحات المائية مقارنة بمساحة اليابسة التي نعيش عليها وقربها إلا أن الباحثون والعلماء لم يبدوا إهتماما كبيرة بإستكشاف المحيطات والبحار القريبة وذهبوا بإتجاه الفضاء البعيد المجهول ، كما أن نسبة القتلى والغرقي من حوادث البحار تبلغ مئات أضعاف الذي يسقطون في حوادث تحطم الطائرات والكوارث الجوية .


فبعد إنفجار الغواصة "تيتان" بعد ساعات قليلة من إنطلاقها والبحث عن حطامها الذي استمر قرابة 80 ساعة أكد ضعف وفقر البشر وقلة درايته بالنسبة لعالم المحيطات والبحار. 


حادثة إنفجار وغرق الغواصة "تيتان"، التي صنفت بأنها واحدة من أبرز كوارث البحار والمحيطات المعاصرة ، ملف إهمال الإنسان حديثاً لعلوم البحار والمحيطات لحساب علوم أخرى، مثل مشاريع أستعمار الفضاء والطيران بشقيه المدني والتجاري والبحث عن مكان للعيش فيه كإنتقال البشر للعيش علي كوكب المريخ، إذ لاقت الحادثة إهتماما عالمياً واسعاً ، ليس فقط بسبب ما سماه بعضهم على وسائل التواصل "النفاق الإجتماعي من المجتمع الدولي"، بسبب تجاهل كثير من الشخصيات البارزة وبعض وسائل الإعلام كارثة غرق سفن للمهاجرين في المياه بصورة متكررة أخرها غرق سفينة للمهاجرين في المياه اليونانية قبل أيام قليلة من إنفجار الغواصة ، فغرق الغواصة التي كانت تحمل خمسة أثرياء يأتي في سياق علمي بحت ، وهو تخلف إنسان البحر المعاصر مقارنة بإنسان البر والفضاء ، إذ نجحت مسيّرة تعمل تحت الماء بالتحكم عن بعد عقب 80 ساعة من البحث في الوصول إلى حطام الغواصة في قاع البحر قرب حطام "تيتانيك"، وذلك بعد إنقطاع الإتصالات مع الغواصة بعد ساعة و45 دقيقة من انطلاق الرحلة السياحية في المياه الدولية شمال المحيط الأطلسي ، وكان مكان الإختفاء قبالة ساحل نيوفاوندلاند في كندا.


إغفال المحيطات :


لأسباب عدة أكثرها يتعلق بالربح المالي والخرافات حول وجود مخلوقات فضائية قد تغزو كوكبنا في أية لحظة ، تركزت أبحاث العلماء والإختراعات التقنية حديثاً في مجالي البر والفضاء ، على رغم إشارات إعلامية كثيرة حذرت من الخطر القادم من أعماق البحار والمحيطات ، كان أهمها عام 2018 حين أعلن فيلم "أكوامان" إغفال الإنسان المعاصر لقضايا المحيطات عموماً ، فالكائنات البحرية ، بحسب الفيلم ، تتحد لتنتقم من الإنسان بسبب تلويثه المتزايد للمحيطات ، ويعد الفيلم تتويجاً لمسيرة طويلة من الإشارات الإعلامية التي بدأت منذ عام 1978 من خلال فيلم الرسوم المتحركة "جزيرة الكنز"  والذي تحول في ما بعد إلى سلسلة من أفلام النجم جوني ديب تحت عنوان "قراصنة الكاريبي".



وخلال الثمانينيات عرض مسلسل كرتوني لم يلق اهتماماً إعلامياً عن وجود جنس من المخلوقات البحرية تحت مسمى "الشناكل"، وتميزت أشكال هذه الكائنات بكونها أشبه بمخلوقات الفضاء التي صورتها السينما ووسائل الإعلام ضمن معركة الإنسان مع ما كان يعرف بحروب الصحون الطائرة ، ولكن "الشناكل" لم يحقق نجاحاً كبيراً مثل "سبونج بوب سكوير بانس" (1999) الذي نال شعبية كاسحة، ليأتي فيلم "تيتانيك" لجيمس براون عام 2004 مؤكداً بلوغ قمة شعبوية أعمال البحر وكوارث المحيطات بعد العولمة.


ومع ذلك ذهب التقدم العلمي بإتجاهاته البعيدة وظل منفصلاً عن إنسان البحر الغامض وإنصب إهتمام التكنولوجيا على مجالات أكثر ربحاً مثل تطوير صناعة الطيران التجاري والنقل البري لغايات ترفيهية، ليبلغ هذا التجاهل لعالم المحيطات وإنسان البحر ذروته على رغم دخولنا زمن اكتظاظ البحار بسفن الشحن ونقل البضائع والركاب في ظل تفشي ثقافة الإستهلاك.


تحولت كارثة "تيتان" إلى فضيحة إعلامية عالمية، وتتوالى تصريحات لمن باتوا يعرفون بأنهم الناجون من هذه الكارثة في رحلات سابقة وفي الرحلة المذكورة تحديداً ، إذ قال البريطاني كريس براون "وجدت أنهم إستخدموا أعمدة حديدية قديمة في الغواصة"، فيما تحدث الممثل المكسيكي آلان أسترادا عن "إنقطاع الإتصال بالخارج وعطل فني بعد 1000 متر من إنطلاق الرحلة"، فيما تتوالى في كل ساعة تقريباً تصريحات ونقاشات من شخصيات بارزة ومتخصصين حول فشل هذه التجربة وهشاشة الإحتياطات التي رافقتها، على رغم المبالغ الكبيرة التي تدفع لخوضها والتقدم التقني.


وعلى رغم علم المشرفين عليها بتفاصيل الأعماق التي يمكن بلوغها ، فالوصول إلى عمق 4 آلاف متر في المياه التي يبلغ كامل عمقها 8 آلاف متر ليس أمراً في متناول علم البحار حتى هذه اللحظة ، ومع ذلك يعد هذا العمق المائي صغيراً جداً أمام المسافات الهائلة التي تقطعها الطائرات والمركبات الفضائية نحو السماء.


وفي ظل تصريحات إعلامية عبر وكالة "رويترز" وشبكة سلامة الطيران (أيه إس إن) عن تدني نسبة تحطم الطائرات وحوادث الطيران لتصل إلى 0.27 حادثة قاتلة من كل مليون رحلة، وصل عدد ضحايا المهاجرين في البحر المتوسط وحده إلى 20 ألف شخص بين عامي 2014 و2022، ويقول رئيس قسم تنظيم التكنولوجيا في البحرية البلطيقية آرون سورتسن إن "العاملين في السفن باتوا ينظرون إلى أجهزة المراقبة والتصوير ولا يهتمون بمتابعة الأوضاع بأنفسهم".


ويؤكد ذلك الرئيس التنفيذي لهيئة المسح البحري الدنماركية هنريك أوت قائلاً إن "الخطأ البشري في الغالب وراء حوادث السفن"، ويذكر أن الولايات المتحدة الأميركية لم تشهد أي حوادث تحطم طائرات منذ عام 2009 وحتى تاريخ إعداد ونشر تقرير وكالة "رويترز" عام 2021.


فيما بلغ عدد ضحايا 14 حادثة طيران مميتة بين عامي 2015 و2020 حوالى 345 وفاة سنوياً ، وهو عدد قليل إذا ما قورن بالآلاف من ضحايا البحار والمحيطات، مما يؤكد وجود تلك الفجوة المفزعة بين تطور إنسان الطيران وعلوم السماء ، مقارنة بإنسان البحر وعلوم الأعماق والمحيطات.


يعد البحث عن الكنوز هدفاً أساساً للرحلات في أعماق البحار والمحيطات ، ويؤكد خبراء عبر وسائل إعلام أن تلك الأعماق لا تزال تخبئ كثيراً من الدفائن الثمينة التي يتسابق شغوفون بهذه المهنة إلى إخراجها ، ومع أن "تيتان" لم تعلن عن هدف من هذا النوع إلا أن الغوص سعياً وراء الدفائن يعد مغامرة مستمرة وتناولته كثير من الأعمال السينمائية ومن أشهرها "ذهب الأبله" (2008) لأندي تنت ، وهو من بطولة كيت هدسون وماثيو ماكونهي.


ومع ذلك يظل هناك فارق كبير بين دافع الإنسان نحو إكتشاف الفضاء الذي إستثمر فيه ثروات وخبرات أكبر بكثير من إستثماره في تقنيات إقتحام عالم البحار والمحيطات ودافعه نحو سبر أعماق المحيطات ، إذ تكمن المفارقة في أن الإنسان أخطأ في تحديد إتجاهات إنفاقه لتلك الأموال الطائلة ، وذهب نحو أفق بعيد ومكلف مالياً وهو الفضاء ، تاركاً وراءه عالم أعماق المحيطات القريب والمدجج بالكنوز. وهذه أمثلة لأهم الكنوز التي عثر عليها في حطام السفن

أحدث أقدم

نموذج الاتصال