قصة قصيرة.. الوثيقة


( 1 )

السيدة العجوز التي بلغت من العمر أرذله، فقدت زوجها من عقود مرت، ومنذ ذلك الحين يحتضنها المرضُ، مرضٌ ينخر عظامها، مرضٌ يقرضُ على كُلِّ مفصل من مفاصل جسدها بعنف.

.. وتتذكر أنَّه كلما أضجعها المرض، يأتيها طائف بالليل على هيئة رجل تعرفه، يقعدها بلطف، يشمر عن ذراعها بلطف، يعطيها حقنة بلطف، ثم ينصرف، تؤكد أنَّها حينما تستيقظ من نومها تستيقظ على علامة سن الإبرة مطبوعة فوق عرق الدم، تلامسها برفق، تبتسم مستبشرة، تستشعر التعافي من الحالة التي تَعِنُّ عليها.

.. والسيدة المريضة ما كانت تود أن تبكي، بعد عناء أرهقها أخرجت كيساً من قماش بهت لونه مدفوناً عمق حضنها، بيدين معروقتين وأصابع كف نحيفة أخرجت منه أثراً، يحمل توثيقاً لعبق حياة طيبة خلت، شَمّته بعمق، صعدته فوق رأسها، أنزلته، أعادته فوق رأسها، أنزلته موضع قلبها، قبلته، ثم حانية برفق أدخلته حافظة مصحف شريف، وبكت، فاضت عيناها بالدموع متشوقة.

( 2 )

السيدة القعيدة أميّة، لم يتح لها أن تتلقى حظاً من تعليم البتة، مدهوشة تتساءل:

- لماذا لم يأت مؤخراً بحقنته كما كان يأتيني وقد أضجعني المرضُ، يُقرصني قاسياً..؟

- استدركتْ السيدة الأميّة مرتابة: أمس أتاني من غير حقنة، ربتَ على كتفي بحنو زائد، مبتسماً أقرأني: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وَلِكُلِّ أمَّةٍ أجَلٌ فَإذَا جَاءَ أجَلُهُم لَا يَستَأخِرونُ سَاعِةً وَلَا يَستَقدِمون».

( 3 )

الإحساس بالوقت صارخاً، المبهر أنَّ الضوءَ البازخ أخضر اللون، وبينما كانت تراه مكتملاً تذكرت أنّها قد صلت الوقت في حينه، أهو الفجر، الظهر، العصر، المغرب، العشاء، أم كل ذلك، لا تدري؟

.. ولم تخرج الشمسُ من مكمنها بعد، قيل لها بصوت خفيض مثل طيف كان ينظرها:

- إنَّ الشمسً أبت أن تأتيك بحرها.

- أكمل الطيف موضحاً: فضلت أن يدوم الحال على ما هو عليه برداً وسلاماً عليكِ.

.. والضوء الأخضر بَرَّاق، يعكس لونُه على سماء صافية ساطعة حد البياض، فذهبت بعينين حديدتين تتحسسُ الأجواءَ منبهرة، فإذ بطيف على هيئة وجه رجل تعرفه، يطلها من عَلٍ كأنَّه اللؤلؤ المكنون، تسمرت عيناها مدهوشة لضيائه، ولابتسامة طاغية تكسوه.

( 4 )

حاورها الطيف فلم ترتبك، ولم تتحير، أجابته بكل ثقة مزهوة.

.. وبعد، ينصرف الطيف راضياً، وبقيت هي منبهرة، لم تطرف، ومن حين إلى حين يقتربها الوجه، يقترب، يقترب، يلامسها بحنو، يتلاحمان غيمة نور، غيمة نور تحلق بأجنحة متعددة في متسع من سماء.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال